تربيتنا والتراث

آراء ابن القيم التربوية من خلال كتابه مدراج السالكين

منزلة التوبة نموذجا

imageذ. محمد أمنزوي

مقدمة

تعتبر التزكية من المصطلحات والمفاهيم القرآنية الأساسية، و تتخذ قيمة التزكية موقعاً مهماً ضمن منظومة القيم التربوية القرآنية، لأن التزكية موضوعها الإنسان المستخلف والذي هو المجال الأول لإصلاح الواقع الإنساني. فبالتزكية يكون إصلاح الفرد والجماعة والأمة.

وصلاح الفرد والمجتمع يعد من أسمى الغايات وأعلى المقاصد، التي جاءت لتحقيقها الشريعة الإسلامية، وقد أنجبت هذه الأمة الخاتمة أعلاما كبارا، ساهموا بقسط وافر من الجهد في ترسيخ هذا الجانب، من خلال مؤلفاتهم التي تزخر بها المكتبات الإسلامية، ومن هؤلاء شيخ الإسلام ابن القيم رحمه الله تعالى، الذي قدم مشروعا تربويا رائدا، من خلال كتبه التي تعنى بجانب التزكية.

و سنحاول في هذه المقالة، أن نسلط الضوء على أحد كتبه القيمة، التي أثرت التراث الإسلامي، وأضافت له الشيء الكثير في مجال التزكية، هذا الكتاب في نظري لم يسبق إليه فهو كتاب فريد في نوعه، وقد أحاط بكل جوانب التزكية، مستمدا مادته من نصوص الكتاب والسنة وأقوال الصحابة والتابعيين والأئمة الربانيين.

والكتاب هو مدراج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين. وسنحاول بقدر المستطاع أن نبين ملامح من قيمته التربوية، والتنبيه على بعض فوائده ومميزاته.

أولا: التعريف بصاحب الكتاب

هو الإمام محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد بن حريز الزرعي، ثم الدمشقي الفقيه الأصولي، المفسر، النحوي، العارف، شمس الدين أبو عبدالله بن قيِّم الجوزية. والجوزية مدرسة كان أبوه قيما عليها. ولد في 7 صفر سنة 691ھ، تفقه في المذهب الحنبلي، وبرع فيه، وأفتى، ولازم شيخه ابن تيمية1 وأخذ عنه الكثير. قال ابن حجر رحمه الله : وَغلب عليه حب ابن تيمية حتى كان لَا يخرج عَن شيء من أقواله، بل ينتصر له فِي جَمِيع ذَلِك، وهو الَّذِي هذب كتبه وَنشر علمه وكان له حظ عند الْأُمَرَاء المصريين، واعتقل مَعَ ابن تيمِية بالقلعة، بعد أَن أهين وطيف بِهِ على جمل مَضرُوبا بِالدرةِ فَلما مَاتَ أفرج عَنهُ2

قال ابن العماد الحنبلي: وكان مدة حبسه مشتغلا بتلاوة القرآن، وبالتدبر، والتفكر ففتح عليه من ذلك خير كثير3، وحمل لواء الجهاد بعد شيخه ونصر مذهبه، وظل يخدم العلم إلى أن مات 13 رجب سنة 751ھ.

تفنن في علوم الإسلام مثل: علم الحديث، والفقه، وأصول الدين، وعلم السلوك والتصوف، والعربية، وكان عارفا بالتفسير لا يجارى فيه، له إسهامات في شتى العلوم صنف مصنفات كثيرة ومفيدة منها: تهذيب سنن أبي داود، ومفتاح دار السعادة، وكتاب الصلاة وحكم تاركها، و كتاب طريق الهجرتين وباب السعادتين، وكتاب إعلام الموقعين، وكتاب زاد المعاد في هدي خير العباد، وكتاب بدائع الفوائد، وكتاب الداء والدواء، وكتاب الصواعق المرسلة، وغيرها من المصنفات الكثيرة التي قام بعض العلماء بإحصائها4، يقول ابن حجر: وَهوَ طويل النَّفس فِيهَا يتعانى الْإِيضَاح جهده، فيسهب جدا، ومعظمها من كلام شيخه يتصرف فِي ذَلِك، وله فِي ذَلِك ملكة قوِية وَلَا يزَال يدندن حول مفرداته وينصرها ويحتج لَهَا، وَمن نظمه قصيدة تبلغ ستة آلَاف بيت سماها الكافية فِي الانتصار للفرقة الناجية5.

وقد اعترف بفضله ومكانته كثير من العلماء قال عنه الصفدي: واشتغل كثيرا وناظر واجتهد، وأكب على الطلب، وصنف وصار من الأئمة الكبار6 وقال عنه ابن رجب الحنبلي:وَكَانَ عارفا بالتفسير لا يجارى فِيهِ، وبأصول الدين، وإليه فيهما المنتهى. والحَدِيث ومعانيه وفقهه، ودقائق الاستنباط منه، لا يلحق فِي ذلِك، وبالفقه وأصوله وبالعربية، وَلَهُ فِيهَا اليد الطولى7

وقال عنه ابن كثير: وكان حسن القراءة والخلق، كثير التودد لا يحسد أحدا ولا يؤذيه، ولا يستعيبه ولا يحقد على أحد، وكنت من أصحب الناس له وأحب إليه، ولا أعرف في هذا العالم في زماننا أكثر عبادة منه8. ويقول عنه الشيخ عبد الرحمان الوكيل: الإمام الجليل إبن القيم، علم من أعلام علماء الكتاب والسنة ،ومنارة من منارات الحق، في هديه إشراق ونور ورحمة9.

ثانيا: التعريف بكتاب مدارج السالكين

فمدراج السالكين، كتاب شرح به المصنف رحمه الله تعالى، كتاب منازل السائرين لشيخ الإسلام أبو إسماعيل الأنصاري الهروي10 ذكره ابن رجب11 والداودي12 وابن العماد الحنبلي13 باسم مراحل السائرين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين ،وبهذا يتبين أن طبع الكتاب بهذا الاسم مدراج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين، لم يكن بتمامه لدى قدماء النقلة14

ويعتبر هذا الكتاب من أنفس ما شرح به كتاب الشيخ الهروي رحمه الله تعالى، وأشهر شرح له، وهو من أفضل كتب التربية والتزكية في التراث الإسلامي، وهذا الكتاب من خيرة ما كتبه ابن القيم في تهذيب النفوس وتربيتها. يقول الشيخ محمد حامد الفقي: وفي الحق أن كتاب مدارج السالكين من خيرة ما كتب الإمام ابن القيم 15.

وشيخ الإسلام ابن القيم له كتب كثيرة في التزكية والتربية، مثل :طريق الهجرتين وباب السعادتين والداء والدواء وغيرها لكن يبقى هذا الكتاب فريد من نوعه، بلغ فيه الذروة لغة وفصاحة ورقيا إيمانيا وتأثيرا في النفس، مع ماتضمنه من بديع المعاني، ولطائف الإشارات، لعل ابن القيم لما ألف هذا الكتاب كان في حالة إيمانية مرتفعة جدا، حتى غدا كلام ابن القيم تراتيل تنهمر على قلوب السالكين، وأنوارا تتدفق جداولها بين يدي العشاق والمحبين. هذه المعاني التي تفرد بها هذا الكتاب خاصة، ومن قرأ كتابه طريق الهجرتين وباب السعادتين، يجد البون بينها واضحا، رغم أن موضوعهما واحد، هذا الفرق الذي التقطه بذكاء عبد المنعم صالح العلي العزي حين قال: ولا يعرف قيمة المدارج حق معرفتها إلا من درج، وكتاب ابن القيم هذا عمل فذ فريد غزير المنفعة، بليغ العبارة، وفيه من دقة استخراج المعاني الإيمانية ولطف الإشارات القلبية ما ليس في غيره، حتى إن الكتابات الأخرى لابن القيم، لا تستطيع أن تنافس نفَسه فيه، وكأني به قد كتبه واعتكف له في أبهى أيامه وأثناء وصوله إلى ذروة صفاء حياته16.

لمحة موجزة عن منهج ابن القيم في هذا الكتاب

ذكرنا أن الكتاب شرح لمنازل السائرين للشيخ الهروي رحمه الله تعالى، وقد افتتح ابن القيم هذا الكتاب بالحديث عن سورة الفاتحة، ومعانيها وما اشتملت عليه من أمهات المطالب العالية من التعريف بالمعبود، وما يستلزم ذلك من معرفة صفات الله تعالى، وأسمائه الحسنى و إثبات المعاد، وجزاء أعمال العباد، وما تضمنته من إثبات النبوات من جهات عديدة، ومراتب الهداية، وكون الفاتحة مشتملة على شفاء القلوب وشفاء الأبدان، وبيان ما اشتملت عليه أيضا، من معاني القرآن والعبادة والاستعانة. ثم ينتقل بعد ذلك إلى شرح منازل الإيمان منزلة منزلة، وكان في شرحه هذا، لا يترك مناسبة إلا ويرد فيها على أهل البدع ، وفي بعض الأحيان نجده يتحدث عن مسائل فقهية.

وقد سلك في هذا الشرح ما يمكن الاصطلاح عليه بالتفسير الأثري للمنازل، حيث إن ابن القيم رحمه الله تعالى حين يورد منزلة من منازل الإيمان، يذكر أدلتها من القران الكريم ثم الأحاديث الشريفة، ثم أقوال الصحابة والتابعين، ومن جاء بعدهم. وهذا المنهج سلكه من بداية الكتاب إلى آخره كما أن هذا الكتاب لا يخلوا من فوائد نفيسة في التفسير، والتصوف، وعلم السلوك، والعقيدة، إضافة إلى نقوله الكثيرة عن شيخه ابن تيمية، مما مكننا أن نتعرف على علم شيخ الإسلام أكثر. ولم يلتزم ابن القيم ترتيب الشيخ الهروي، بل غير في بعض الأحيان، فقد جعل ابن القيم منزلة المحاسبة قيل منزلة التوبة عكس الشيخ الهروي، وبين سبب هذا التقديم في كتابه فقال: “ومن منزلة المحاسبة يصح له نزول منزلة التوبة، لأنه إذا حاسب نفسه عرف ما عليه من الحق فخرج منه وتنصل منه إلى صاحبه، وهي حقيقة التوبة فكان تقديم المحاسبة عليها لذلك أولى”17 ولم يلتزم أيضا بشرح جميع جمل الكتاب بل يختار بعض الفقرات أو يختصرها.

من الأشياء اللافتة أيضا دفاع ابن القيم عن الشيخ أبو إسماعيل الهروي في بعض الاحيان، وحمل كلامه على أحسن المحامل؛ ومن أمثلة ذلك قوله وهو يبين مراد الشيخ حول مسألة الفناء: “قال الإتحادي هذا دليل على أن الشيخ[أبوإسماعيل الهروي] يرى مذهب أهل الوحدة، لأن العيان إنما يسقط في مبادئ حضرة الجمع لأنه يقتضي ثلاثة أمور: معاين ومعايَن ومعاينة ،وحضرة الجمع تنفى التعداد، وهذا كذب على شيخ الإسلام، وإنما مراده فناء شهود العيان فيفنى عن مشاهدة المعاينة ويغيب بمعانيه عن معاينته، لأن مراده انتفاء التعدد والتغاير بين المعاين والمعايَن، وإنما مراده انتفاء الحاجب عن درجة الشهود لا عن حقيقة الوجود، ولكنه باب لإلحاد هؤلاء الملاحدة، منه يدخلون وفرق بين إسقاطه الشيء عن درجة الوجود العلمي الشهودي ، وإسقاطه عن رتبة الوجود الخارجي العيني. فشيخ الإسلام بل مشايخ القوم المتكلمين بلسان الفناء هذا مرادهم ، وأما أهل الوحدة فمرادهم أن حضرة الجمع والوحدة تنفى التعدد والتقييد في الشهود والوجود بحيث يبقى المعروف والمعرفة والعارف من عين واحدة”18.

ومثال آخر قوله: “لولا إحسان الظن بصاحبه وقائله ومعرفة قدره من الإمامة والعلم والدين، لنسب إلى لازم هذا الكلام، ولكن من عدا المعصوم فمأخوذ من قوله ومتروك ،ومن ذا الذي لم تزل به القدم ولم يكب به الجواد”19.

وهذا لايعني أن الشيخ يوافقه في كل كبيرة وصغيرة، بل إنه يخالفه في بعض المواطن مع سلوك سبيل الأدب في الرد عليه وانتقاده. يقول عنه مثلا :”شيخ الإسلام حبيب إلينا، والحق أحب إلينا منه وكل من عدا المعصوم فمأخوذ من قوله ومتروك، ونحن نحمل كلامه على أحسن محامله ثم نبين ما فيه”20

وليس هذا الشيخ من دافع عنه فقط، بل الصوفية عموما، وبين منهج الحق فيهم، والطريق الوسط الذي يجب ان نسلكه في تقييمنا لهم، وأن لهم وعليهم لأن العصمة لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقط، فقال: “ولم تضمن العصمة لبشر بعد رسول الله، وهذه الشطحات أوجبت فتنة على طائفتين من الناس إحداهما: حجبت بها عن محاسن هذه الطائفة ولطف نفوسهم، وصدق معاملتهم، فأهدروها لأجل هذه الشطحات وأنكروها غاية الإنكار، وأساءوا الظن بهم مطلقا، وهذا عدوان وإسراف، فلو كان كل من أخطأ أو غلط ترك جملة وأهدرت محاسنه لفسدت العلوم والصناعات والحكم وتعطلت معالمها”21.

بعض الملاحظات على الكتاب

يقع ابن القيم في الاضطراب أحيانا عند تقسيمه للموضوع الذي يتحدث عنه فيجعله قسمين، أو ثلاثة أقسام أوأكثر، ومن ذلك أنه قسم الفراسة إلى قسمين فراسة إيمانية، وفراسة تتعلق بالجوع والسهر، ثم عاد وأضاف إليها ما سماه بالفراسة الخلقية، التي صنف فيها الأطباء وغيرهم، وقد يقسم الفكرة إلى أقسام يبدأ في الحديث عنها، فيتحدث عن بعضها وينسى بعضها الأخر، ومن ذلك أنه ذكر أن آراء الناس في إثبات المحبة ونفيها أربعة أقسام، ولم يذكر من الآراء إلا رأيين، فقال رحمه الله: محبة الرب لعبده والناس في إثبات ذلك ونفيه أربعة أقسام، فأهل يحبهم ويحبونه على إثبات الطرفين، وأن محبة العبد لربه فوق كل محبة تقدر، ولا نسبة لسائر المحاب إليها وهي حقيقة لا إله إلا الله، وكذلك عندهم محبة الرب لأوليائه وأنبيائه ورسله صفة زائدة على رحمته وإحسانه وعطائه، فإن ذلك أثر المحبة وموجبها، فإنه لما أحبهم كان نصيبهم من رحمته وإحسانه وبره أتم نصيب، والجهمية22 المعطلة، عكس هؤلاء فإنه عندهم لا يحب ولا يحب، ولم يمكنهم تكذيب النصوص فأولوا نصوص محبة العباد له على محبة طاعته، وعبادته، والازدياد من الأعمال لينالوا بها الثواب.23

ومن ذلك عدم دقته في بعض الإحصاءات التي يوردها حين قال: إن الفقر وقع في القران في ثلاثة مواضع،24 ولم يرد إلا في موضع واحد من سورة البقرة، في قوله تعالى{الشَيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ}25

ومن الأشياء التي تنتقد على ابن القيم أيضا، استشهاده بالأحاديث والأقوال الضعيفة، لأن بعض العلماء أجاز الاحتجاج بها في فضائل الأعمال، ومن أمثلة ذلك الحديث الذي رواه الترمذي في جامعه، عن النبي صلى الله عليه وسلم” من عير أخاه بذنب لم يمت حتى يعمله”26

وهذه الهنات تقع في بحر حسناته ، لأن الله تعالى لم يكتب الكمال والعصمة إلا لكتابه ، وقد اعتذر ابن القيم عن هذا النقص في آخر كتابه ، فقال: فيا أيها القارئ له لك غنمه، وعلى مؤلفه غرمه ، لك ثمرته وعليه تبعته، فما وجدت فيه من صواب وحق فاقبله، ولا تلتفت إلى قائله ، بل أنظر إلى ما قال لا إلى من قال، وقد ذم الله تعالى من يرد الحق إذا جاء به من يبغضه ويقبله إذا قاله من يحبه، فهذا خلق الأمة الغضبية27 قال بعض الصحابة: اقبل الحق فيمن قاله وإن كان بغيضا، ورد الباطل على من قاله وإن كان حبيبا، وما وجدت فيه من خطأ، فإن قائله لم يأل جهد الإصابة ويأبى الله إلا أن يتفرد بالكمال كما قيل:

والنقص في أصل الطبيعة كامن … فبنو الطبيعة نقصهم لا يجحد28.

ثالثا: مكانة التوبة وحقيقتها

تحتل التوية مكانا هاما في مقامات الإيمان، فهي الباب الأول للسير إلى الله تعالى، والرجوع إليه بعد طول غياب، وبعد عن الغاية التي خلق من أجلها الإنسان، ولذلك أطال ابن القيم النفس فيها كثيرا عكس باقي المنازل، “لأن التوبة هي حقيقة دين الإسلام، والدين كله داخل في مسمى التوبة، وبهذا استحق التائب أن يكون حبيب الله فإن الله يحب التوابين”29

وقد عرف ابن القيم التوبة النصوح بقوله: “النصح في التوبة يتضمن ثلاثة أشياء، الأول : تعميم جميع الذنوب واستغراقها بها بحيث لا تدع ذنبا إلا تناولته، والثاني: إجماع العزم والصدق بكليته عليها بحيث لا يبقى عنده تردد ولا تلوم ولا انتظار، بل يجمع عليها كل إرادته وعزيمته مبادرا بها، الثالث : تخليصها من الشوائب والعلل القادحة في إخلاصها ووقوعها لمحض الخوف من الله، وخشيته والرغبة فيما لديه والرهبة، لا كمن يتوب لحفظ جاهه وحرمته، ومنصبه ورياسته، ولحفظ حاله، أو لحفظ قوته وماله، أو استدعاء حمد الناس، أو الهرب من ذمهم، أو لئلا يتسلط عليه السفهاء، أو لقضاء نهمته من الدنيا، أو لإفلاسه وعجزه، ونحو ذلك من العلل التي تقدح في صحتها وخلوصها لله عز وجل”.30

ومن حقائق التوبة أيضا: تعظيم الجناية، واتهام التوبة، كونه لم يؤديها على الوحه المطلوب، ومن علامات ذلك ضعف العزيمة، و استمرار الغفلة وجمود العين.

هل يصح الاحتجاج بالقدر على الذنب

لا يجوز للعبد أن يحتج بالقدر لأنه مناف للتوبة، وهو من فعل خصماء الله تعالى،وقد رد ابن القيم على من احتج بالقدر من وجوه منها :أن ذلك يعرض الإنسان إلى غضب الله تعالى، كما أنه يتضمن تنزيه الجاني وهو الظالم الجاهل، وبين تناقض مذهب هؤلاء فقال:”فإن كان القدر حجة لك أيها الظالم الجاهل في ترك حق ربك، فهلا كان حجة لعبدك وأمتك في ترك بعض حقك، بل إذا أساء إليك مسيء وجنى عليك جان واحتج بالقدر لا شتد غضبك عليه وتضاعف جرمه عندك ورأيت حجته داحضة ، ثم تحتج على ربك به، وتراه عذرا لنفسك فمن أولى بالظلم والجهل ممن هذه حاله” 31

لذلك كان دأب الصالحين وأرباب العزائم عدم مصادمة أمواج القدر، وضرب بعضها ببعض بل دفع القدر بأقدار أحسن منها، لأن الله تعالى أمر بدفع السيئة ، وهي من قدر الله بالحسنة التي هي من قدر الله تعالى أيضا.

من أسرار التوبة

ثم ينتقل بعد ذلك لبيان أسرار حقيقة التوبة ، وهي “أن يكون المقصود من التوبة تقوى الله تعالى ونسيان الجناية حين يشرق قلب العبد بأنوار الله تعالى، والتوبة من التوبة وهي أن يتوب من رؤية التوبة، فإنها إنما حصلت له بمنة الله ومشيئته ، ولو خلي ونفسه لم تسمح بها البتة، فإذا رآها وشهد صدورها منه ووقوعها به وغفل عن منة الله عليه، تاب من هذه الرؤية والغفلة، ولكن هذه الرؤية والغفلة ليست هي التوبة ولا جزءا منها ولا شرطا لها، بل هي جناية أخرى عرضت له بعد التوبة فيتوب من هذه الجناية كما تاب من الجناية الأولى”32

فوائد الإعتبار بالذنب

رغم أن الذنب مقيت ومذموم، إلا أن فيه بعض من مشاهد وحكم لله تعالى حسب كلام المؤلف: منها “معرفة رحمه الله بقبول التوبة ،و معرفة بر الله وستره للمذنب ، و معرفة أن العبد مقهور ناصيته بيد الله تعالى، وأن الذنب وقع من العبد بمشيئة الله تعالى وإرادته، عكس من يقول عكس ذلك”33 وفي نفس الوقت لا يحب الله تعالى تلك المعصية لأن الإرادة إرادتان، كونية وشرعية ،فالله تعالى أرد الذنب إرادة كونية ولكنه يبغضه من ناحية الإرادة الشرعية، وبسبب غياب هذا التفصيل ضلت كثير من الطوائف “فإن أصل ذلك كله هو الفرق بين محبة الله ورضاه، ومشيئته وإرادته الكونية، ومنشأ الضلال في هذا الباب من التسوية بينهما أو اعتقاد تلازمهم”34

خـــــــاتمة

وختاما بعد هذه الكلمات اليسيرة، يمكن أن نخلص إلى أن ابن القيم رحمه الله تعالى أبدع في كتابه هذا، وقد قام بشرح كتاب منازل السائرين شرحا وافيا منقطع النظير، وتعرفنا فيه على أن منزلة التوية من أهم المنازل في الإسلام، لأنها بداية الرجوع إلى الله تعالى، وقد وفى شيخ الإسلام بيان أحكام هذه المنزلة، وبيان حقيقتها وأسرارها، وشروطها بما قد لا يوجد في كتاب غيره، ونختم بهذه الكلمة الرائعة لشيخ الإسلام ذكرها في هذه المنزلة قال رحمه الله تعالى:” إعلم أن أشعة لا إله إلا الله تبدد من ضباب الذنوب وغيومها بقدر قوة ذلك الشعاع وضعفه”35

الهوامش

1 – ابن تَيْمِيَّة أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام ابن عبد الله بن أبي القاسم الخضر النميري الحراني الدمشقيّ الحنبلي، أبو العباس، تقي الدين ابن تيمية: الإمام، شيخ الإسلام. (661 – 728 هـ = 1263 – 1328 م) ولد في حران وتحول به أبوه إلى دمشق فنبغ واشتهر. وطلب إلى مصر من أجل فتوى أفتى بها، فقصدها، فتعصب عليه جماعة من أهلها فسجن مدة، ونقل إلى الإسكندرية. ثم أطلق فسافر إلى دمشق سنة 712 هـ واعتقل بها سنة 720 وأطلق، ثم أعيد، ومات معتقلا بقلعة دمشق، فخرجت دمشق كلها في جنازته. كان كثير البحث في فنون الحكمة، داعية إصلاح في الدين. آية في التفسير والأصول، فصيح اللسان انطر ترجمته في كتاب الأعلام 1/144 وطبقات الحفاظ السيوطي 1/520 والوافي بالوفيات7/11 والدرر الكامنة 1/175معجم المؤلفين 1/261 وشذرات الذهب ص:6/71
2– الدرر الكامنة5/137
3– شذرات الذهب8/288
4– انطر كتاب ابن قيم الجوزية حياته اثاره موارده للشيح بكر أبو زيد
5– الدرر الكامنة5/137
6– الوافي بالوفيات 2/196
7– ذيل طبقات الحنابلة 5/171
8– البداية والنهاية14/ 270
9– كلامه في مقدمته لتحقيق كتاب إعلام الموقعين
10 – الهَرَوي(396 – 481 هـ = 1006 – 1089 م)عبد الله بن محمد بن علي الأنصاري الهروي، أبو إسماعيل: شيخ خراسان في عصره.من كبار الحنابلة. من ذرية أبي أيوب الأنصاري. كان بارعا في اللغة، حافظا للحديث، عارفا بالتأريخ والأنساب. مظهرا للسنّة داعيا إليها. امتحن وأوذي وسمع يقول: ” عرضت على السيف خمس مرات، لا يقال لي ارجع عن مذهبك، لكن يقال لي اسكت عمن خالفك، فأقول: لا أسكت! ” من كتبه ” ذم الكلام وأهله”،”الفاروق في الصفات” وكتاب “الأربعينفي التوحيد”، و ” الأربعين في السنة”، و ” منازل السائرين” انظركتاب الأعلام 4/122.
11-ذيل طبقات الحنابلة 5/ 175
12– طبقات المفسرين 2/96
13-شذرات الذهب8/289
14– ابن قيم الجوزية حياته اثاره موارده ص: 296
15-انظر مقمة تحقيقه لكتاب مدارج السالكين
16– تهذيب مدارج السالكين ص:4
17– مدارج السالكين 1/169
18– نفسه 1/152
19– نفسه /227
20– نفسه /37
21 مدراج السالكين2/37
22 – الجهمية اتباع جهم بن صفوان الذى قال بالإجبار والاضطرار الى الأعمال وأنكر الاستطاعات كلها وزعم أن الجنة والنار تبادان وتفنيان وزعم أيضا ان الايمان هو المعرفة بالله تعالى فقط وأن الكفر هو الجهل به فقط، وقال: لافعل ولا عمل لأحد غير الله تعالى وانما تنسب الاعمال الى المخلوقين على المجاز كما يقال زالت الشمس ودارت الرحى من غير أن يكونا فاعلين او مستطيعين لما وصفتا به وزعم ايضا أن علم الله تعالى حادث وامتنع من وصف الله تعالى بانه شىء او حى او عالم أو مريد انظر كتاب الغرق بين الفرق لبعد القاهر البغدادي ،ط دار الافاق الجديدة –بيروت ، الطبعة الثانية 1977 ،ص:199.
23-مدارج السالكين3/18
24-نفس المرجع 2/438
25– البقرة الأية 268
26 – مدارج السالكين 1/ 177و الحديث أخرجه الترمذي كتاب صفة القيامة والرقائق والورع حديث 2505 من حديث معاذ ابن جبل وفي إسناده محمد بن الحسن بن أبي يزيد الهمداني قال عنه يحيى بن معين ليس بثقة وقال أبو داود السجستاني :ضعيف وقال مرة:كذاب وقال النسائي: متروك، وانظر الضعيفة ص: .178
27 – يقصد اليهود، قال رحمه الله تعالى:فصل في ذكر تلاعبه بالأمة الغضبية وهم اليهود قال الله تعالى في حقهم. انظر كتابه إغاثة اللهفان دار المعرفة –بيروت ط الثانية 1975 تحقيق محمد حامد الفقي، ص :2/298.
28– مدارج السالكين3/522
29– مدارج السالكين 1/306
30– مدارج السالكين 1/310
31 – مدارج السالكين 1/192
32 – وهم المعتزلة، يقول الشهرستاني:واتفقوا على أن العبد قادر خالق لأفعاله خيرها وشرها، مستحق على ما يفعله ثوابا وعقابا في الدار الآخرة، والرب تعالى منزه أن يضاف إليه شر وظلم، وفعل هو كفر ومعصية، لأنه لو خلق الظلم كان ظالما، كما لو خلق العدل كان عادلا أنظر الملل والنحل مؤسسة الحلبي :1/45
33– مدارج السالكين 1/252
34– مدارج السالكين 1/252
35 – نفسه 1/329

 

Show Buttons
Share On Facebook
Share On Twitter
Share On Google Plus
Contact us
Hide Buttons