ترجمات

أي موقع للمسؤولية الإنسانية في ضوء نتائج الأبحاث الحديثة لعلم الأعصاب

من خلال مقال الأحكام الأخلاقية والعواطف و العقل المنفعي

للباحثين: جورج مول Jorge Moll و ريكاردو دو أوليفيرة Ricardo de oliveira

ترجمة ذ. يوسف سحيوف أستاذ اللغة الإنجليزية بالقنيطرة

مراجعة الدكتور أبو بكر الحسني أستاذ فيزيولوجيا الغدد الصماء العصبية كلية العلوم – القنيطرة

 
العلوم العصبية الإدراكية فرع من العلوم العصبية، التي تحاول دراسة الشبكات العصبية المتعلقة بالإدراك و باتخاذ القرار، وذلك بالمزاوجة بين علم النفس والتصوير المغناطيسي الوظيفي للدماغ. فالوعي بالذات والقرارات الأخلاقية والتأثير التربوي، التي كانت تدرس في إطار الفلسفة الأخلاقية أصبحت موضوعا للبحث في إطار العلوم العصبية. فخلال الثلاثين سنة الماضية تم تحديد مناطق الدماغ المسؤولة عن الخوف والتحفيز والذاكرة واتخاذ القرارات. ولكن لازالت الميكانزمات الدقيقة وراء هذه الوظائف لم تعرف على وجه التحديد، إلا أن التقدم الحاصل ينبئ بتحديد شبكات بالغة التعقيد ستمكن معرفتها من فهم دور الدماغ في هذه الوظائف، وفهم الاختلالات العضوية المتسببة في السلوكات المنحرفة والمرضية. وهناك آمال كبيرة في أن يتمكن الطب العصبي من تحسين ظروف كثير من الأشخاص الذين يعانون من هذه الاختلالات.  الدكتور أبوبكر الحسني

وحدة علم الاعصاب الإدراكي و السلوكي

ان التحقيق في الآليات العصبية و المعرفية الكامنة وراء العقل الاخلاقي له دور مهم في فهم السلوكيات البشرية المعقدة بدءا من الإيثار إلى الأفعال المعادية للمجتمع.

وتتيح دراسة أنجزت حديثا على مرضى أصيبوا بأضرار على المستوى الأمامي من الرأس رؤية متبصرة حول الطبيعة العصبية للأحكام الأخلاقية، مثيرة بذلك أسئلة حول الميكانيزمات التي من خلالها يسهم العقل و العاطفة معا في تكوين الإدراك الأخلاقي.

تقديم

ما الذي يجعل الناس يشعرون بالهلع عند معاينتهم للحوادث البشرية المأساوية، والمجازفة بأرواحهم من أجل إنقاذ الآخرين؟ أو ما الذي يدفعهم للاحتجاج بقوة ضد القهر والظلم.

منذ صدور التقارير الأولى حول التغيرات السلوكية الاجتماعية بعد إصابة دماغية (1-2) أصبح علم الأعصاب يقدم حقائق مهمة تربط ما بين العقل والأخلاق- وهو ما يشكل زعزعة للمعتقدات المنطقية الرائجة(3). إن التصوير العصبي الوظيفي وتحليل الآفة الدماغية قد تبنيا نماذج إدراكية متطورة وهو ما يحقق تقدما سريعا في فهمنا للأخلاق البشرية التي تعتمد على القدرات المتداخلة جزئيا مثل قدرتنا على اتخاذ الأحكام الأخلاقية وتجربة المشاعر وكذا التصرف وفقا للمعايير الأخلاقية. وفي هذا السياق تقدم دراسة قام بها كل من Kœnigsو Youngوزملاؤهم (4) دليلا مهما مفاده أن الضرر الثنائي للقشرة أمام جبهية الباطنيةVMPFC يزيد من الخيارات النفعية بالنسبة للمعضلات الأخلاقية التي تفرض اختيارا واحدا- كما في حالة تقديم مصلحة العامة على مصلحة الأقلية. وهو ما يؤكد أن الحكم الأخلاقي السوي ينبع من حوار معقد بين آليات إدراكية وشعورية تعتمد على هياكل عصبية محددة وفي نفس الوقت تطرح الدراسة أيضا أسئلة أخرى حول الآليات التي من خلالها يؤثر VMPFC على القرارات الأخلاقية.

وفي هذه الدراسة (4) أيضا تمت مقارنة أداء ستة مرضى يعانون من إصابة على مستوى VMPFCFig.1a)) أثناء إصدار قرارات أخلاقية مع أداء غيرهم من مرضى يعانون من أضرار دماغية أخرى ذات ضوابط عادية عصبيا. كل من السيناريو الأخلاقي و السيناريو ذو بعد غير أخلاقي يتعلق بأربعة تصنيفات وهي = 1سيناريو أخلاقي شخصي بارز عاطفيا يجسد صراعا عاليا (كدفع شخص ضخم مجهول أمام سكة عربة الترام من أجل إنقاذ خمسة من العمال و بالتالي قتل الشخص الأجنبي). 2 سيناريو أخلاقي غير شخصي و أقل بروزا عاطفيا (كالكذب على حارس إنقاذ باستعارة قارب صغير وتحذير السياح من عاصفة وشيكة).4 سيناريوهات ذات بعد غير أخلاقي (كاستعمال القطار بدل الحافلة من أجل الوصول في الوقت المناسب).

السيناريوهات ذات الطابع الشخصي تم تأطيرها بشكل يجعل اختيار الجواب ب”نعم” يعني قبول انتهاك أخلاقي مقيت للغاية (كما سلف الذكر بالنسبة لقضية دفع الرجل الأجنبي إلى الهلاك).

أجاب كل من المرضى الذين يعانون من إصابة على مستوى VMPFCوذووا الضوابط العادية دماغيا سلبا و بالاجماع ضد السيناريوهات الشخصية المجسدة لصراعات أقل حدة، في حين أيد المرضى الذين يعانون من إصابة على مستوى VMPFC القرارات النفعية بالنسبة لسيناريوهات الصراع العالي وهي خيارات غير مرغوب فيها عاطفيا من شأنها أن تؤدي مع ذلك الى مزيد من الرعاية والاهتمام بالمصلحة العامة (كما في حالة التضحية بشخص واحد من أجل إنقاذ الأرواح الخمسة) وهي نتيجة أكبر من التي حققتها المجموعة الثانية. وبذلك تقدم هذه الدراسة رابطا مباشرا بين الضرر الذي قد يلحق منطقة محددة في الدماغ و بين التغيير في الاختيارات إلى أحكام أخلاقية بارزة عاطفيا- مما يشكل انقساما وتفككا داخل مجال الأحكام الأخلاقية.

الضرر الثنائي للقشرة الأمام جبهية الباطنيةVMPFC والسلوك الأخلاقي

وثقت مجموعة من البحوث والدراسات التغيرات في السلوك الاجتماعي بعد التعرض للإصابة على مستوى البنيات القشرية والتحت قشرية للدماغ. وتختلف هذه الإعاقة السلوكية من مجرد سلوك اجتماعي بسيط (غياب اللباقة الاجتماعية مثلا) إلى انتهاك أخلاقي شديد (كما هو الشأن بالنسبة للشذوذ الجنسي). ورغم وجود حقائق تدل على دور مجموعة من المناطق بالدماغ في تنظيم و تنفيذ السلوك الاخلاقي (5)إلا أن الاهتمام في هذا المجال منصب أكثر على منطقة القشرة الأمام جبهية الباطنية –وهذا أمر يمكن تفهمه باعتبار أن هذا الجزء من الدماغ يدخل في مجموعة من الميكانيزمات العصبية التي وإن لم تكن لها علاقة بالأخلاق إلا أنها تبقى مهمة بالنسبة لتنظيم السلوك الأخلاقي. وتشتمل هذه الآليات على القدرة على التنبؤ بالنتائج والتعلم التشاركي والتقييم المرن للطوارئ السلوكية(6). في دراسة تاريخية أظهرت أوجه قصور في السلوك بين الأشخاص بالنسبة لمريض مصاب باضطراب الفص الجبهي المكتسب وهو ما لا يضعفه على مستوى معايير التفكير الأخلاقي(7) . إن إلحاق أي أذى بمنطقة VMPFC والتي تمتد حتى القشرة القطبية الأماميةBFC (منطقة برودمانBrodmann’s Area) من شأنه أن يؤدي إلى أضرار بالغة بكل من السلوك والتفكير الأخلاقيين(8) . وحديثا بدأت دراسات التصوير الوظيفي باستخدام مجموعة واسعة من المهام (كالأحكام الأخلاقية النشطة والتعرض للمؤثرات البارزة أخلاقيا) بتوفير دليل محدد لدور VMPFC وFPC بالنسبة للاستدلال المنطقي الأخلاقي والمشاعر الأخلاقية عند البالغين(9-10) (Figures 1b-e) . هذا النوع من التفعيل الخاص بكل من VMPFC-FPCوقع جنبا إلى جنب مع تفعيل السياق الصدغي الأمامي والمنطقة الصدغية العلوية والبنيات الحوفية وهو ما أدى الى مفهوم “الدماغ الأخلاقي” كشبكة من المناطق المترابطة ترابطا وثيقا والتي تدمج الوظائف المتنوعة التي تنطوي عليها التقييمات الأخلاقية(5) .

image

العقل والعاطفة في الحكم الأخلاقي

تعتبر مسألة التوزيع الترشيحي الدقيق للآفات قضية مركزية في الدراسات حول العلاقة بين الأخلاق وحدوث تلف في الدماغ وهي النقطة التي تستحق دراسة متأنية في البحث الذي أنجزه Koenigs والآخرون(4) . في مجموعة مرضى VMPFC امتد الضررعلى مستوى القبل جبهي على صعيد ثنائي إلى القشرة الأمام جبهية الوسطية بالنسبة لخمسة من بين المرضى الستة (figure 1a) ثم إلى FPC الجانبية بالنسبة لأربعة منهم. كما تأثرت وبشكل متفاوت بنيات المواد الرمادية والبيضاء على مستوى المناطق المدارية والنصف ظهرية والتلفيف الحزامي.

ولأن القشرة القطبية الأماميةFPC تختلف عن القشرة الأمام جبهية الباطنيةVMPFC على مستوى التركيب الخلوي للأنسجة وكذلك على كل من المستوى التوصيلي والوظيفي والسلوكي(11) فإن أي تلف في هذه المنطقة قد يحدث عواقب وخيمة والتي سنتطرق إليها في ما يلي في سياق النتائج التجريبية لKoenigs و الآخرين.(4)

يمكن تفسير التفضيل المتزايد للمرضى الذين يعانون من إصابة على مستوى VMPFC /FPC للخيارات النفعية وفقا لفرضيات وظيفية تشريحية مختلفة. جعل الخيارات النفعية أكثر عقلانية في المعضلات الصعبة قد ينتج عنه انهيار عاطفي عام بسبب تلف على مستوى القشرة الأمام جبهية الباطنية. ومع ذلك وكما ناقش Koenigs (4) فإن نتائج دراسة أخرى(12) قام بها هو نفسه لا تدعم هذه الفرضية. في لعبة الإنذار لشخصين على المشاركين إما اختيار اقتراح غير عادل ولكن مغري ماليا (خيار مادي) أو رفضه لمعاقبة اللاعب الغير عادل (خيار عاطفي). اختار المرضى المصابون على مستوى القشرة الأمام جبهية الباطنية أكثر من غيرهم من مرضى الضوابط رفض المقترحات الغير عادلة (أي أنهم كانوا أكثر عاطفية من غيرهم) وحسب وجهة نظر أخرى Greene والآخرين(13) فإن العاطفة والإدراك أو العقل لهما أدوار تنافسية متبادلة في الحكم الأخلاقي. تنشأ خيارات المساواة في المعضلات الأخلاقية الصعبة من آليات السيطرة المعرفية القائمة في قشرة الفص الجبهي الظهراني في حين أن الخيرات الغير نفعية تصدر عن الاستجابات العاطفية التي تعتمد على منطقة القشرة الأمام جبهية الوسطية.

إجراء اختبار بالنسبة لمنظور Greene حول التنافسية المتبادلة للسيطرة والعاطفة يتطلب رغم هذا كله توضيحا للتفكك المزدوج – والذي يظهر أن انتقاء الضرر على VMPFCيزيد من الخيارات النفعية وأن انتقاء ضرر DLPFC أو FPC العرضي يقود إلى خيارات عاطفية. وعلاوة على ذلك فإن منطقةFPC الأكثر نشاطا بالنسبة للخيارات النفعية في دراسة التصوير بالرنين المغناطيسي MRI (13)لدى Greene وأيضا الامتداد الجانبي ل FPC(figure 1f) كلها تضررت لدى معظم المرضى في دراسة Kœnigs(fig.1a) . ولذلك فإن فرضية العملية المزدوجة لا تفسر نتائج هذا الأخير عدا كونها فرضية تفكيك بسيطة (أي تجربة عاطفية ضعيفة بشكل عام) ولا تدعمها نتيجة زيادة الخيارلت العاطفية في لعبة الإنذار من قبل مرضى VMPFC(12).

التفسير الثالث والأكثر شذوذا هو أن VMPFC-FPC قد يكون ضروريا لتجربة المشاعر الأخلاقية الاجتماعية الإيجابية. وقد تم اقتراح أن تنشأ هذه المشاعر المعقدة من التكامل بدلا من الصراع بين الآليات العاطفية والمعرفية. على سبيل المثال تتطلب تجربة التعاطف والاهتمام مشاركة حالات عاطفية بواسطة الحواف (مثل الحزن والتعلق) بالاقتران مع آليات تتوسطها FPC مثل التفكير المحتمل وتمثيل نتائج متعددة للأحداث و الإجراءات (مثل التنبؤ بعواقب أعمالنا على الآخرين).(5)

في الواقع أظهرت دراسات الرنين المغناطيسي الوظيفيfMRI أن VMPFC وFPC تشارك باستمرار ليس فقط من خلال المهام التي تتطلب أحكاما أخلاقية صريحة(10) ولكن أيضا من خلال عرض خاص من المحفزات التي توحي بالعواطف الأخلاقية(9-14) (fig.1b.d) في غياب الصراع المعرفي أو العمليات التنفيذية النموذجية. وتشير أبحاثنا إلى أن المشاعر الأخلاقية الاجتماعية قد تعتمد بقوة على الشبكات الأمامية الحواف الأمامية، مع وجود قطاعات جانبية من القشرة المختبرية والجسم المداري الأكثر أهمية بالنسبة للتجارب العاطفية المتمحورة حول الذات وغيرها من التجارب العاطفية (مثل الغضب أو الإحباط أو الاشمئزاز الأخلاقي) .(5-9-15) هذه الفرضية تفسر لماذا مرضى VMPFC أكثر عقلانية عند الحكم على المعضلات الأخلاقية الشخصية(4) ولكن أكثر عاطفية في لعبة الإنذار (12) ويتماشى مع انخفاض القلق والتعاطف والذنب من المرضى الذين أبلغ عنهم Koenigs وآخرون. (4)

دراسة Koenigs وو Youngزملاؤه (4) توفر رؤى جديدة ولكن تثير ألغازا جديدة لعلم الأعصاب الإدراكي، مما يؤجج حماسة الباحثين في العقل الأخلاقي البشري. إن استكشاف التنظيم المعرفي والعصبي للتمثيل البارز الأخلاقي الرفيع المستوى (أي المشاعر الأخلاقية والقيم) وكيفية تفاعلها مع القدرات المعرفية المعقدة، مثل التنبؤ بالنتائج، لتوجيه الأحكام الأخلاقية هو مجال رائع للبحث المستقبلي.

1b

وفيما يلي رابط النسخة الأصلية للمقال باللغة الإنجليزية:

http://www.sciencedirect.com/science/article/pii/S1364661307001490

Show Buttons
Share On Facebook
Share On Twitter
Share On Google Plus
Contact us
Hide Buttons