تربيتنا والأدب

قصة قصيرة: الإفلاس

ذ. عبد الرحيم مستبشر

انسحب الأستاذ أحمد من الزمان والمكان وهو يرى اسمه مدرجا ضمن أسماء هيئة تحرير مجلة الأصالة والتنوير، وغرق في لجة تقاذفته أمواجها، صاعدة بالأمل، هابطة بالأسى، متمخضة عن قاعة الأساتذة بثانويته الغراء، وهو يشارك زملاءه في اجتماع مجلس تدبيرها، يرأسه مديرها المستشرف لركوب الطموح، بهدف إبداع إنجاز استثنائي، يكون علامة مضيئة في تاريخ المؤسسة العتيدة :

– نريد عملا ثوريا يقطع مع الرداءة، و يرنو إلى التجديد والتميز، ويفجر الطاقات النقية المغسولة بالماء والثلج والبرد…يقول السيد المدير.

فاقترح أحمد- ضمن اقتراحات قدمها زملاؤه- إنشاء مجلة ثقافية تحمل اسم المؤسسة، و يساهم فيها الطاقم التربوي، كل حسب تخصصه أو ميوله، و تصدر مرتين في السنة، فأدلى كل أستاذ بدلوه، و تشعبت الآراء و تلا قحت، مستفيدة من النفس الإيجابي الذي بثه المدير المنفتح على كافة الآراء والملاحظات:

– قناعات السادة الأساتذة شتى، فبأي لون ستصطبغ المجلة؟

– تصطبغ بلون قوس قزح، و الاختلاف – عند الكرام- لا يفسد للود قضية.

– لتكن مجلة متعالية على الايديولوجيا.

– الكتابة الحقيقية تنقش بدم القلب، وهيهات أن تستوي الكلمات بعيدا عن عشق الفؤاد !

وساد هرج و مرج و لغط ، ختمه أحمد بقوله محاولا التأليف بين كافة المعطيات التي طرحها زملاؤه:

– متى كان الناس في قناعاتهم على قلب رجل واحد؟ فرغم أن الغالبية الساحقة منا تتقاسم نوعا ما نفس التوجه، فهذا لا يمنع أن نتعامل مع المخالف بشيء من التسامح المؤسس على الإيمان الجازم بالحرية، لأن الكتابة إما أن تكون حرة أو لا تكون !

وتدخل المدير – في الختام – منبها:

– لا تنسوا أن تنقلوا إلى زملائكم كافة ما دار في اجتماعنا، مع دعوتهم إن رغبوا إلى المشاركة، فالمجلة يجب أن تتسع للجميع.

وعم الخبر،إذ نقله الشاهد للغائب، و أثنى كثيرون على هذه المبادرة الطيبة، واعتبروها خطوة حسنة، و قدم أحمد – صاحب اقتراح فكرة المجلة – لهيئة التحرير موضوعين : أحدهما عبارة عن قصة قصيرة، والثاني موضوع في علم مقارنة الأديان، لكنه فوجئ بعد يوم واحد بزيارة مصطفى أحد زملائه الأساتذة الذي تجمعه به علاقة حسنة، وأسر إليه أن الأستاذة ميلودة ، والأستاذ رحال وهما يصنفان نفسيهما علمانيين، قد اطلعا على ما كتبه أحمد فسفهاه ،ونزها مجلة الثانوية أن تنشر مثل هذا الهراء إذا كانت تنشد التقدير.

قال مصطفى باستغراب :

– لو رأيتهما بعد أن اطلعا على ما كتبت لما صدقت ما ترى، لقد خرجا عن طورهما كما لو أصابهما مس من الجنون لما أبديت فيما كتبت من نفحة إيمانية، واعتبرا ذلك خطابا معاديا للديمقراطية !

فأجابه أحمد بمرارة:

– ها هم أولاء يفترون على الديمقراطية، في نفس الوقت الذي يكتمون فيه أنفاس من طلع برأي يخالف ما ذهبوا إليه، أوليس الاختلاف والتدافع هو العمود الفقري للديمقراطية؟

وسكت قليلا ثم نفخ قائلا:

– نحن نحترم توجههم الذي لا نعتقد صوابه لأننا نؤمن بالحرية، بينما هم يهينون قناعاتنا ويتشدقون بالديمقراطية!

وهكذا ماتت فكرة المجلة في مهدها…و لما حاورت إحدى الجرائد الوطنية الأستاذة ميلودة – على هامش اليوم العالمي للمرأة حول مثبطات جهود الحركة النسائية، التي تتوق إلى الانعتاق والرقي بمكانة المرأة في المجتمع المغربي، لم تتورع عن القول دون أن يطرف لها جفن:

– إن الجناح الاستئصالي الأعمى الذي يقوده الفكر المحافظ الإقصائي، والذي لا يعترف بالآخر المخالف، والمتحالف مع القوى الإقطاعية المعادية للتغيير،هو العقبة الكؤود التي تمنع المرأة من التقدم، هذه القلعة الرجعية تسير ضد منطق التطور، وتدعي امتلاكها الحقيقة المطلقة، وترفض الحوار، وتكفر بحقوق النساء، بسبب عقدتها النفسية، و تكلسها الفكري، و رفعها لشعار: من خالف عدو.

وانسل أحمد عائدا من تسكعه في أروقة الماضي، مفعم النفس بالرضا المؤسس على إنصاف الدنيا له! وعاد يحملق في اسمه ضمن أسماء هيئة تحرير مجلة تنظر بتقدير لأفكاره!! التي هو يعرف أنها ليست محل إجماع كأي فعل بشري، لكن ما يهم أن لا يحجر عليه أحد، فعاد أدراجه منتشيا، و قال وكأنه يفكر بصوت مرفوع: الحرية ليست منحة من أحد، فالله تعالى هو الذي خلقنا أحرارا.

Show Buttons
Share On Facebook
Share On Twitter
Share On Google Plus
Contact us
Hide Buttons