تربيتنا والقدوات الصالحة

الدكتور محمود عايد الرشدان

طلب العلم مدى الحياة – وحرص على العمل به

aarchan

بقلم د. فتحي حسن ملكاوي

المدير الإقليمي للمعهد العالمي للفكر الإسلامي

عرفته منذ عام 1963 بعد عودته من الجامعة الأمريكية في بيروت، وحصوله على البكالوريس في الهندسة الزراعية والماجستير في الاقتصاد الزراعي. ورافقت مسيرته منذ ذلك الوقت، في مواقع شتى وبلدان عديدة.

بعد عودته من بيروت عمل في مؤسسة التعاونية الأردنية مدة سنتين ثم سافر إلى الولايات المتحدة لمواصلة التعليم، فحصل على الدكتوراه في التنمية والتربية من جامعة وسكنسن الأمريكية عام 1975.

imageكان محمود الرشدان من أبرز أعضاء الفريق الذي عمل على تطوير العمل الإسلامي في أمريكا الشمالية، حيث كان النشاط الإسلامي الرئيسي يقوم على الطلبة الذين يأتون من البلدان العربية والإسلامية يقضون فترة الدراسة، ثم يعودون. ومع محمود الرشدان وزملائه توطن النشاط الإسلامي من خلال إنشاء اتحاد الطلبة المسلمين في أمريكا الشمالية الذي تفرع عنه عدد من المؤسسات المهنية، ومؤسسات الجاليات، ومؤسسة الوقف، والمعهد العالمي للفكر الإسلامي، وانتهاءً بالاتحاد الإسلامي لأمريكا الشمالية.

كان العمل في اتحاد الطلبة المسلمين يقوم على العمل التطوعي حتى عام 1975، وبعدها تقرر إنشاء الأمانة العامة الدائمة للاتحاد في بلومنجتن ولاية إنديانا، وأصبح محمود الرشدان أول أمين عام متفرغ للاتحاد، واستمر في قيادة الاتحاد إلى عام 1980.

تواصلت إقامة محمود الرشدان في الولايات المتحدة من عام 1966 إلى عام 1980، ثم قرر أن ينتقل إلى مجال آخر، فعمل في التعليم جامعة العين بالإمارات العربية المتحدة من عام 1980 حتى عام 1986، ثم عاد إلى الولايات المتحدة للعمل مديراً لإدارة التربية في المعهد العالمي للفكر الإسلامي، حتى عام 1990، ثم أستاذاً للتربية والتنمية في الجامعة الإسلامية العالمية في ماليزيا، حتى عام 1994، ثم عاد إلى الأردن ليعمل أستاذا وعميداً لكلية التربية في جامعة الزرقاء الأهلية من عام 1996-2008، ثم محاضراً غير متفرغ في جامعة اليرموك في الأردن.

وبعد حصوله على الدكتوراه، وعمله في التعليم الجامعي حوالي ثلاثين عاماً، وعاد للدراسة في الجامعة وحصل على البكالوريوس في الحقوق والقانون عام 2013، وأنهى سنتي التدريب للحصول على الأستاذية في المحاماة. ثم أصيب بالسرطان، وخضع للعلاج طلية السنتين الأخيرتين من عمره.

من اليسير على من عرف محمود الرشدان أن يلاحظ التميّز في شخصيته في عدد من المجالات، وفيما يأتي نبذ موجزة على بعضها:

تواضعه الجم، وعدم رغبته في الظهور، يشهد بذلك غياب اسمه وصورته عن شبكة الإنترنت، وتعففه عن قبول المناصب. فقد شهدت منه موقفاً لا أزال أذكره كأنه اليوم. كنا عام 1979م في مخيم لاتحاد الطلبة المسلمين، وكانت التعليمات أن يَترك المشاركون المخيم أكثر نظافة وترتيباً مما وجدناه، وانتهى المؤتمر وأخذ المشاركون يحزمون أمتعتهم ويغادرون، وكنت على وشك المغادرة بعد أن غادر الجميع، فرأيت سيارة الدكتور رشدان لا تزال في مكانها، فبحثت عنه في عدد من الأماكن فلم أجده، فدخلت موقع الحمامات العامة في المخيم فوجدته وحيداً يقوم بتنظيفها. وقد تكررت رؤيتي له في مثل هذا الموقف في أسفاري الكثيرة معه.

كرمه البالغ فقد قلت فيه إحدى المناسبات، لو رأى محمود الرشدان طائراً يمر فوق منزله لتمنى أن ينزل عليه ضيفاً. وهي صفة مشهودة له في جميع البلدان والمواقع التي عمل فيها، ومنها على سبيل المثال: أنه قضى حوالي أربع سنوات في ماليزيا منفرداً بدون عائلته، ويروي عنه طلبة الجامعة أنه كان يأخذ معه الطلبة إلى منزله للعشاء، ولا سيما للإفطار في رمضان، ويعد لهم الطعام بمفرده.

نقاء سريرته، وطيبة قلبه، فما أسرع أن يتأثر ويَطْفِر الدمع من عينيه، فرحاً، أو حزناً، وإذا شعر بأن أحداً قد استاء منه في شيء، فإنه سرعان ما يبادر بالاعتذار.

حُبُّه للعلم، ورغبته في التعلم في سائر مجالات العلم والمعرفة، فإذا وجد نفسه أمام عالم متخصص في موضوع ما، فإنه يكون شديد الحرص على الاستفادة من علمه. وقد رأيته في بعض الحالات يجلس مستمعاً باهتمام لحديث المحاضر، ويسجل ملحوظاته، ويستفسر بكل أدب مع أشخاص أقل منه علماً في موضوع المحاضرة. ومن مؤشرات رغبته في زيادة علمه عودته لدراسة القانون في جامعة اليرموك بعد أن تجاوز السبعين من عمره، على الرغم من أنه كان أستاذا محاضراً في الجامعة نفسها، وقد أجرت وكالة الأنباء الأردنية –بترا حواراً معه حول ذلك فكان مما جاء فيه قوله: “إن طريق العلم لا نهاية له، ولا أعتقد أنه ينتهي بالحصول على شهادة جامعية أو لقب علمي، أو بلوغ سنٍّ معينة، لأن حاجة المرء الى العلم تستمر في مراحل الحياة كلها، وأن مصطلح التقاعد يولِّد لدى الانسان قيماً سلبية، والقعود عن العمل والعطاء قيمة مذمومة، وما دام الإنسان قادرا على العمل فعليه أن يفيد المجتمع بما لديه من علم “.

العقلية النقدية، والتفكير بالبدائل الممكنة، فأكثر الناس يميلون في استماعهم إلى حديث أو محاضرة، إلى الاستمتاع والقبول، لكن محمود الرشدان يتميز بدأبه على أن يرى وجهاً آخر أو وجوهاً أخرى لما يسمعه، فيأتي تعليقه في صورة أسئلة، من نوع: ماذا لو؟ لماذا لا يكون الأمر على الوجه الآتي؟ ألا يمكن أن نجد تفسيراً آخر؟… وكثيراً ما يكون جواب المتحدث: هذا سؤال جيد، لكنه لم يخطر ببالي!

حبه لمساعدة الآخرين ولا سيما توفير فرص النمو السليم للأطفال، وفرص التعليم الجامعي للطلبة، من خلال مؤسسة الوقف الدولي للتعليم ” “IETفقد تحمل بنفسه مسؤولية توفير هذه الفرص لآلاف الأطفال، ومئات من طلبة الجامعات على مدى يزيد عن خمسة عشر عاماً. وقد حضرتْ إحدى السيدات قبل أسبوعين إلى مكتبي، تسأل عن محمود الرشدان بمزيد من الامتنان، حيث ذكرت أنها أنهت دراستها الجامعية بمساعدة مالية كريمة عن طريقه. وتخرجت من الجامعة وحصلت على عمل جيد، وأعادت المبلغ الذي حصلت عليه ليعود إلى مصدره.

حسن التوكل والثقة بالله سبحانه، فقد عرفته في محطات رئيسية من حياته، حين يقرر الاستقالة من عمل دون أن يكون لديه عمل آخر. وحين أسأله عما بعد الاستقالة من عمل أو وسيلة رزق، لا أجد لديه أي شعور بالقلق، بل يعبر عن ثقته بأن الله سوف ييسر له الأمر، وهو ما كان يحصل فعلاً.

حسن المعشر، وسرعة البديهة، وروح الدعابة وهي خصائص معروفة عنه يروي زملاؤه الكثير منها، وقد سألته يوماً عن سرِّ هذه الروح، فذكر أنه تعلم الكثير من ذلك من والده الأميّ، وأعطى أمثلة طريفة من مواقف الدعابة وسرعة البديهة عند والده رحمهما الله.

الحيوية والدينامكية والجرأة في اتخاذ المواقف وفي التعبير عن الرأي. ومن المواقف المشهودة في ذلك التحول الكبير في اتجاهات الطلبة العرب في الولايات المتحدة الأمريكية، حيث كانت رابطة الطلبة العرب بتوجهاتها القومية واليسارية وممارساتها للفساد والانحلال الأخلاقي تقود النشاطات الطلابية، فقرر مع زملائه في اتحاد الطلبة المسلمين الدخول في الرابطة، مما أدّى إلى تعريف معظم الطلبة بالبديل الإسلامي العلمي والأخلاقي للنشاط الطلابي.

أكتفي بهذه الكلمات العاجلة والخواطر السريعة عن محمود الرشدان فور علمي بوفاته، راجياً أن أعود بالمزيد من الحديث عنه، رحمه الله.

Show Buttons
Share On Facebook
Share On Twitter
Share On Google Plus
Contact us
Hide Buttons