تربيتنــا والواقع

الغش في الامتحان خيانة للأمانة

د/ حفيظ غياط 1

تمهيد:

تعد ظاهرة الغش في الامتحانات واحدة من أشد الآفات خطرا، وأبلغها ضررا وهدما لبنيان المجتمعات والتعجيل بسقوطها، لأن آثارها وعواقبها الوخيمة على الأفراد والأمم تنذر بمستقبل مظلم يلفه السواد، فكل مظاهر التخلف والظلم والفساد المنتشرة على طول البلاد وعرضها أساسها الغش والتدليس والخيانة للأمانة، والتساهل مع الغشاشين أو التغاضي عن جرائمهم.

ولا يمكننا الحديث عن ظاهرة الغش في الامتحانات بمعزل عن سياقها الاجتماعي الذي تخلقت في رحمه، ذلك أن الغش صار ظاهرة عامة تشمل كل مجالات الحياة الانسانية – إلا استثناءات قليلة-، حتى صار النزيه شاذا وسط مجتمع الغشاشين، يلام على نزاهته، ويُعير بسبب نظافته وطهارته، فانقلبت القيم والمفاهيم رأسا على عقب، وقد أشار القرآن الكريم إلى مثل ذلك عند حديثه عن قوم لوط – الذين كانوا يمارسون الفاحشة جهارا في ناديهم، ويعتبرون لوطا ومن معه من الأتقياء الشرفاء مارقين شاذين عن القاعدة التي اخترعوها من وحي أهوائهم، قال سبحانه: (فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوا آَلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ)2، لقد صارت العفة والاستقامة هي جريمتهم وجنايتهم في عرف مجتمع الفساد.

ونحن على أبواب الامتحانات الإشهادية نحتاج إلى مناقشة هذا الموضوع لأهميته وخطورته في نفس الوقت، فما مفهوم الغش؟ وما حكمه الشرعي؟ ماهي آثاره وأسبابه؟ وما السبيل إلى معالجته والحد من انتشاره؟ كلها أسئلة نحاول الإجابة عنها في هذا المقال على سبيل الاختصار.

أولا – الغش في الامتحان : مفهومه ،وحكمه الشرعي

حقيقة الغش ومعناه:

الغش – بصفة عامة – سلوك غير مَرْضي بل مَرَضي، سلوك منحرف وغير أخلاقي، يقصد إلى تزييف الحقائق وقلبها لتحقيق غرض عاجل مادي أو معنوي، بدون وجه حق، فهو يتأسس على الكذب والخداع والخيانة والتزوير والتدليس، وقد جاء في بعض معاجم اللغة في باب ” الغين” مادة ” غَشَّ “: غَشَّ صَدْرُهُ: انطوى على الحِقد والضغينة، وغش صاحِبَهُ غَشًّا وغِشا: زين له غير المصلحة وأظهر له غيرَ ما يُضمِر… وغش الطالبُ في الامتحان فهو غاشٌّ، و(المغشوش) غير الخالص، يقال لبنٌ مغشوش وذهب مغشوش3. والغش في الشرع: ما يخلط من الرديء بالجيد4.

حكم الغش في الامتحان:

أما حكمُ الغش في الامتحان فلا يخرج عن الحكم العام للغش، لأن الإسلام قد حرم الغش والخداع والتدليس والتزوير بكل صوره وأشكاله، سواء في البيع والشراء أو في غيرها من أنواع المعاملات الإنسانية الأخرى، لما ينتج عن ذلك من آثار سلبية ومفاسد مهلكة، كالظلم وأكل أموال الناس بالباطل…، لكن الغشَّ في الامتحان يبقى أعظمَ خطَرًا وجُرمًا من الغش في المُعَامَلات الأخرى؛ لأنه يؤدِّي إلى إفساد العنصر البشري الذي يعتبر اللبنة الأساس لبناء الأمم ونهضتها، أو تخلفها وسقوطها، ومن هنا كان الاهتمام الجيد ببناء الفرد الصادق الأمين والمسؤول – منذ البداية – أساسا لبناء مجتمع متين راسخ الأركان. قال تعالى:( إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ)5.

فالغش من الناحية التربوية عملية تزييف وتزوير لنتائج التقويم التي يراد من خلالها قياس مستوى المتعلم ومدى اكتسابه وتحصيله لعدد من المعارف والمهارات التي يرسمها المنهاج التعليمي ويهدف إلى تحقيقها، ولذلك يعد الغش سببا مانعا من تحصيل هذا المقصود التربوي، ومِعْولاً هادما لمشروع البناء السليم للناشئة، ومن تم المساهمة في وجود مجتمع مريض يستمرئ الفساد، ويرفض النزاهة والجدية، وأداء الأمانات على وجهها الصحيح.

ويشمل الغش في الامتحانات كل السبل والأساليب غير المشروعة للحصول على نتائج مزيفة كاذبة مخالفة للواقع، تكرس الظلم وضياع الحقوق، للوصول إلى مناصب ووظائف وامتيازات -بعيدا عن مبدإ الكفاءة والاستحقاق- بأي وسيلة كانت، بأشكالها القديمة أو المعاصرة المسنودة بالتقنيات التكنولوجية المتطورة6.

1- الأدلة الشرعية على تحريم الغش بكل أنواعه

إن المتدبر لنصوص القرآن والسنة يلاحظ بوضوح موقف الإسلام الحاسم في قضية الغش والتدليس. فقد نصت كثير من آيات القرآن الكريم على حرمة الغش باعتباره ظلما وأكلا للحرام، وسعيا للإفساد في الأرض، ومن ذلك:

أ – قوله عز وجل : ( وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ )7. وهذا نهي صريح وتحذير واضح من الظلم المخالف للقسط والحق، والمتمثل في النقص من الميزان.

ب – وعيد الله للمطففين المعتدين في الكيل والوزن، كما في قوله سبحانه : (وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ * الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ * وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ * أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ * لِيَوْمٍ عَظِيمٍ * يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ)8 . جاء في التفسير: ” (وَيْلٌ)9 كلمة عذاب ووعيد ( لِلْمُطَفِّفِينَ) وفسر الله المطففين بقوله : (الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ ) أي : أخذوا منهم … (يَسْتَوْفُونَ) يستوفونه كاملا من غير نقص. (وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ) أي: إذا أعطوا الناس حقهم، الذي للناس عليهم بكيل أو وزن، (يُخْسِرُونَ) أي: ينقصونهم ذلك، إما بمكيال وميزان ناقصين، أو بعدم ملء المكيال والميزان، أو نحو ذلك. فهذا سرقة لأموال الناس، وعدم إنصاف منهم”10” ثم توعد تعالى المطففين، ودعانا للتعجب من حالهم وإقامتهم على ما هم عليه، فقال: (أَلا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ لِيَوْمٍ عَظِيمٍ يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ) فالذي جرأهم على التطفيف عدم إيمانهم باليوم الآخر، وإلا فلو آمنوا به، وعرفوا أنهم يقومون بين يدي الله، يحاسبهم على القليل والكثير، لأقلعوا عن ذلك وتابوا منه”11.

والاستدلال بهذه الآية على تحريم الغش في الامتحان واضح الصلة، فهي ” وإن كانت متعلِّقة بالتطفيف في جانِبِه المادي  كما يدلُّ عليه سياقها، إلا أنَّ لفظَها لا يمنع من الاستدلال به لبيان الخلل الذي يُصِيب المجتمع جرَّاء اختِلال الميزان الشرعي فيه، فإنَّ هناك سننًا اجتماعيَّة لا بُدَّ من اعتبارها عند توافُقِها مع الشريعة؛ حيث يُبنَى المجتمع على قواعد شرعية وأخلاقية تُحافِظ عليه، مرجِع هذه القواعد قاعدةٌ كبرى هي: قاعدة العدل وحفظ الحقوق، فإذا اختلَّتْ هذه القاعدة، فهذا معناه سيادةُ وانتِشار الظلم بين الناس”12

ج –  قوله تعالى: (وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ )13. قال القرطبي في قوله تعالى: (وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ) البخس النقص. وهو يكون في السلعة بالتعييب والتزهيد فيها، أو المخادعة عن القيمة، والاحتيال في التزيد في الكيل والنقصان منه. وكل ذلك من أكل المال بالباطل، وذلك منهي عنه في الأمم المتقدمة والسالفة على ألسنة الرسل صلوات الله وسلامه على جميعهم”14

2- تحذير النبي صلى الله عليه وسلم لأمته مِن الغش

يقف المطالع لسنة النبي ﷺ على تحذيره الشديد، وترهيبه المتكرر من آفة الغش – بكل أنواعها وصورها- وآثارها المدمرة للفرد والمجتمع، ومن ذلك:

أ –  ما رواه مسلمٌ15 عن أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ مر على صُبْرة16 طعامٍ، فأدخل يده فيها، فنالت أصابعُه بللًا فقال: (ما هذا يا صاحب الطعام؟) قال: أصابته السماء17 يا رسول الله، قال: (أفلا جعلتَه فوق الطعام كي يراه الناس؟ مَن غشَّ فليس مني18) ؛ وهذا تبرؤ واضح من كل ممارس للغش في أي مجال من مجالات المعاملة بين الناس، لأنه عنصر ضار وفاسد مفسد، يجب أخذ الحيطة والحذر منه، وكشف حاله بين الناس.

ب – وعن معقِل بن يسارٍ المزني قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (ما من عبدٍ يسترعيه الله رعيةً، يموت يوم يموت وهو غاش لرعيته، إلا حرم الله عليه الجنة)19؛ قال النووي: “معناه: بَيِّن في التحذير من غشِّ المسلِمين لِمَن قلَّده الله – تعالى – شيئًا من أمرهم، واسترعاه عليهم، ونصبه لمصلحتهم في دينهم أو دنياهم، فإذا خانَ فيما اؤتُمِن عليه فلم ينصح فيما قلَّده، إما بتضييعه تعريفهم ما يلزمهم من دينهم وأخذهم به، وإما بالقيام بما يتعين عليه من حفظ شرائعهم والذب عنها،…، أو تضييع حقوقهم، أو ترك حماية حوزتهم ومجاهدة عدوهم، أو ترك سيرة العدل فيهم فقد غشهم …وقد نبَّه النبي – صلَّى الله عليه وسلَّم – على أنَّ ذلك من الكبائر الموبقة المبعدة من الجنة”20

ج –  وعن حكيم بن حزامٍ رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: (البيِّعان بالخيار ما لم يتفرَّقا، فإن صدَقا وبيَّنا بورك لهما في بيعهما، وإن كذَبا وكتَما مُحِقَتْ بركةُ بيعهما)21؛ فبين عليه الصلاة والسلام بأن هذه المعاملة بين البائع والمشتري ينبغي أن تقوم على أساس الصدق والأمانة، ببيان كل منهما ما يحتاج إلى بيان من عيب ونحوه، لأن ذلك جالب للبركة والنفع للمتبايعين معا، كما حذر عليه السلام بالمقابل من الغش والكذب المتمثل في كتمان العيوب بقصد التدليس والكسب غير المشروع، مخوفا من آثاره في محق البركة لما فيه من الخيانة والخديعة .

نستنتج من خلال عرضنا لهذه النصوص الشرعية من القرآن والسنة خطورة الغش – بكل أنواعه وأشكاله- على مستقبل الإنسانية أفرادا ومجتمعات، لما ينطوي عليه من المفاسد والظلم والخيانة، وأكل لأموال الناس بالباطل، وضياع للمصالح التي يقوم عليها كل بناء راشد أو نهضة حضارية. وقد تعبدنا الله تعالى بشرعه الحكيم الرحيم إقامة للعدل ومحاربة للظلم، وجعل إقامة العدل من أعظم مقاصد بعثة الأنبياء والمرسلين، قال تعالى: (لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ)22.

من هنا كانت كل ممارسة تقوم على الغش – بأي شكل من الأشكال- ظلما وعدوانا وأكلا لأموال الناس بالباطل، وسعيا للإفساد في الأرض بعد إصلاحها، ومخالفة معلنة لمنهج الله تعالى، وتحديا سافرا لإرادة الله عز وجل.

ثانيا – آثار الغش ونتائجه على الفرد والمجتمع

إن الحكم على الأمور ووصفها بأنها مصلحة أو مفسدة مرتبط أشد الارتباط بما يترتب عليها من النتائج والآثار، في الحال والمآل، وإذا نظرنا إلى ظاهرة الغش بناء على هذا الأساس، استطعنا إدراك علة تحريم الغش وسبب الترهيب منه، وذلك لما يترتب عليه من مفاسد عظيمة، تورث الآلام، وتدمر الإنسان والعمران . ومن آثار الغش في الامتحانات :

– أن الغش من أكبر أسباب التخلف العلمي، والجمود الثقافي، والسقوط الحضاري للأمة، وبسببه يقتل الحس الإبداعي لدى المجدين، وتحبط العزائم المتوقدة والفعالة بسبب ضرب مبدأ الكفاءة والاستحقاق بعرض الحائط. فالأمم القوية لا تتقدم إلا بالبناء العلمي المتين لعقول أبنائها، وأي تساهل أو تقصير في تنزيل برامج التكوين والتقويم لمخططاتها يعني الحكم على مستقبل أجيالها بالفشل والوهن والفراغ الثقافي، فلا تتعجب بعد ذلك من كثرة الخريجين وحملة الشواهد (المزورة) بلا فائدة ولا عائد ينفع صاحبه وأمته، فكيف تنتج أمة خيرا نافعا، بعقول فارغة من العلم، فاقدة لخلق الأمانة والمسؤولية ؟.

– أن الغش من أعظم أسباب انتشار الظلم، والحقد الاجتماعي، وعدم تكافؤ الفرص، لأنه ممارسة ظالمة تقلب الحقائق وتزيفها، وتوغر القلوب، وتسهم في تنامي الاحتقان لدى المستحقين والجادين الذين تُهدَر حقوقهم بسبب الغشاشين ومن يدعمهم، فيصبح الغش طريقا ممهدا لكل أنواع الفساد المنتشرة بين الناس، بسبب إسناد المسؤوليات لغير الأكفاء، ولذلك رد الرسول عليه الصلاة والسلام على الأَعْرَابِيّ الذي سأله عن السَّاعَةِ بقوله: (إِذَا ضُيِّعَت الْأَمَانَةُ فَانْتَظِر السَّاعَةَ، قَالَ: كَيْفَ إِضَاعَتُهَا؟ قَالَ: إِذَا وُسِّدَ الْأَمْرُ إِلَى غَيْرِ أَهْلِهِ فَانْتَظِرْ السَّاعَةَ)23

3) – أن انتشار الغش بين الناس، وعدم إنكارهم له، ومحاربتهم لأهله ودعاته، يؤدي إلى تردي منظومة القيم التربوية في المجتمع، فتتغير المفاهيم باتخاذها لبوسا مزورا خادعا، حيث يصير المعروف منكرا والمنكر معروفا؟‼

4)- فقدان الثقة وطغيان التشاؤم من المستقبل، لأن الموازين قُلِبت، وأهلَت غير المستحق، وأبدلت مبدأ الجودة والإحسان بمعايير شكلية قائمة على التزوير والشفاعة السيئة لفلان أو علان تَرْضيةً لأبيه أو أمه، أو لصلة قرابة بمسؤول ما، أو عائلة عريقة، أو…عندئذ يطغى اليأس والإحباط على نفسية المجد العصامي المستقيم، لأن حقوقه تُهدر في مجتمع عم فيه الفساد وطم، فيُفضي ذلك إلى العزلة والانطواء والنقمة على هذا الوضع غير السوي بوجه عام، كما يؤدي في كثير من الأحيان إلى هجرة العقول المبدعة لأوطانها لأنها لم تظفر بالمكان المناسب لكفاءتها ومؤهلاتها. فما أعظمها من خسارة عندما تهجُر العقول المبدعة بلدانها لتستغلها بلدان أخرى عرفت قدرها، فيُحرَم المجتمع من خدماتها وعطاءاتها بسبب الفوضى وسيطرة قيم فاسدة خيطها الناظم اتباع الأهواء .

5) – إن انتشار الغش في الامتحانات يفضي إلى قتل روح المنافسة الشريفة بين المتعلمين.

6) – يساهم انتشار الغش في تخريج أفواج ضعيفة ناقصة في كفاءتها العلمية، وفي قدرتها على تحمل الأمانة والمسؤولية المنوطة بها. فكيف تُعَول أمة في نهضتها ورقيها على أفراد فاقدين لأهم شروط الاستحقاق التي يتحقق بها الإتقان والإحسان والتنمية والتمكين، وقد أشار القرآن الكريم إلى هذه الشروط، فذكر على لسان إحدى ابنتي نبي الله شعيب عليه السلام أنها قَالَتْ: (يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ)24، وكذلك في قصة نبي الله يوسف عليه السلام عندما رشح نفسه لمهمة التدبير الاقتصادي والمالي لأزمة اجتماعية كانت وشيكة الوقوع بشعب مصر ومن حولها، قال سبحانه : (قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ)25

7) – أن سرطان الغش يمتد إلى كل قطاعات المجتمع فينخر عظامها بقوة، مما يعجل بموت هذا الجسد المريض، لأن الموظفين والحرفيين والتجار وأصحاب الصناعات الذين اعتادوا الغش خلال فترات تعلمهم، كانوا يحملون معهم هذه الأمراض الخبيثة، فسَهُل عليهم استباحة الأمانات، واستحلال الكسب غير المشروع، فقبلوا الرشوة مقابل التزوير والتدليس فيما ائتمنوا عليه.

الهوامش

1 – أستاذ التربية الإسلامية بالقنيطرة
2 – النمل/56
3 – أنظر “المعجم الوسيط”: 2/653، و” العامي الفصيح” من إصدارات مجمع اللغة العربية بالقاهرة ج 19 / ص 4.
4 – التوقيف على مهمات التعاريف – عبدالرؤوف المناوي – : ص 538
5– الرعد/11
6 – لم أقف طويلا عند أشكال وصور الغش في الامتحانات لأن ذلك مما بات معروفا لدى الجميع اليوم ، ولأن مقصودنا من هذا المقال بالدرجة الأولى هو التنبيه على خطورة هذه الآفة على مستقبل الأفراد والمجتمعات.
7– الرحمن: 9
8– المطففين: 11 – 66
9– الويل : الوادي الذي يسيل من صديد أهل جهنم : أنظر جامع البيان في تأويل القرآن للطبري : 24/277
10 – تفسير السعدي: ص 915
11 – نفس المصدر والصفحة.
12 – انظر مقال : “ظاهرة الغش في التعليم” : رؤية شرعية د. فارس العزاوي، على الرابط: http://www.alukah.net/sharia/0/22709
13 – الأعراف: 855
14 – تفسير القرطبي : 7 / 248
15 – رواه مسلم في باب: قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ غَشَّنَا فَلَيْسَ مِنَّا.
16 – صُبرة: أي: الكومة المجموعة من الطعام
17 – أصابته السماء : أي المطر
18 – فليس مني: أي: ليس هو على سنَّتي وطريقتي
19 – رواه مسلم في بَاب: اسْتِحْقَاقِ الْوَالِي الْغَاشِّ لِرَعِيَّتِهِ النَّارَ
20 – شرح النووي على مسلم: 2/166
21 – رواه مسلم في باب: الصِّدْقِ فِي الْبَيْعِ وَالْبَيَانِ
22 – الحديد/25
23 – رواه البخاري في باب: مَنْ سُئِلَ عِلْمًا وَهُوَ مُشْتَغِلٌ فِي حَدِيثِهِ فَأَتَمَّ الْحَدِيثَ ثُمَّ أَجَابَ السَّائِلَ
24 – القصص/26
25 – يوسف/55

Show Buttons
Share On Facebook
Share On Twitter
Share On Google Plus
Contact us
Hide Buttons