قراءة في كتاب

جولات تفكر في مسؤولية الفكر

عبد السلام محمد الأحمر

(الحلقة الأولى)

بقلم: د. حميد عنبوري


الكتاب الذي بين أيدينا اليوم والذي نقدم خلاصته وزبدته للقارئ الكريم هو لصاحبه الأستاذ عبد السلام محمد الأحمر عضو المكتب التنفيذي للرابطة المحمدية للعلماء، ورئيس لجنة الأنشطة الثقافية والعلمية بها، ومفتش تربوي ممتاز للتعليم الثانوي وخبير دولي في التربية والثقافة لدى منظمة الأيسيسكو، جعل كتابه تحت عنوان: “جولات تفكر في مسؤولية الفكر”، وهو عبارة عن مجموعة من المقالات نشرت في جريدة “ميثاق الرابطة الإلكترونية”، وجمعت في كتاب من الحجم المتوسط في سبع وثلاثين ومائتي صفحة، طبعته الرابطة سنة 1433ھ/2012م، وقد تم تقسيمه إلى مقدمة وسبعة فصول وخاتمة.

ولم أكن أتوقع أن أجد مادة دسمة في الكتاب، لكني عثرت على أفكار غاية في الدقة تعبر عن نضج كبير عند المؤلف، الذي نشر أفكاره في ثنايا هذا الكتاب الذي يحتاج إلى قراءة متأنية، لذلك ارتأيت أن يتم عرض قراءته في حلقتين.

افتتح الكتاب بممهدات جعلها للمقدمة وماهية الفكر وعبادة التفكير.

ففي المقدمة: تحدث المؤلف عن أهم أسباب الكتابة في الموضوع، ولخصها في ستة:

– الأول: أن الفكر أهم أفعال الإنسان، حيث تصدر عنه جميع التصورات والأعمال والأخلاق والمواقف، فتستقيم باستقامة فكره وتعوج باعوجاجه، وما يصنعه المرء من خير أو شر، من رشد أو ضلال ما هو إلا ثمار ذلك الفكر.

– الثاني: أن الفكر والتفكر أهم مميزات الجنس البشر وهو أساس استخلافه في الأرض لأنه مرتبط بالعقل، والعقل هو مناط التكليف، ولا تكليف بدون عقل.

– الثالث: وجود اختلال كبير في طرق التفكير ومناهجه، مع افتتان المفكرين بأفكارهم على ما هي عليه من اضطراب وقصور بسبب غياب العلم بمناهج التفكير وشروطه.

– الرابع: ضعف ممارسة عبادة التفكر في آيات الله المنزلة في كتابه والمنشورة في كونه، إذ هي التي فتحت أعين البشر على كثير من الحقائق التي ظلت خافية على امتداد قرون.

– الخامس: اشتداد الحاجة إلى ممارسة فكر رصين في الأمور الدنيوية قصد ترشيدها في الجوانب التقنية، والاجتماعية، والسياسية، والاقتصادية بحثا عن أسباب التقهقر الحضاري لدى الأمة الإسلامية. وليس مزية أن يتقوى الجانب الديني على حساب الجانب الدنيوي لأن الإسلام يربط الامتياز والفلاح في أحد الجانبين بالجانب الآخر.

– السادس: التحسيس بأهمية الفكر في بناء الشخصية الفاعلة والواعية، والتنبيه على بعض المفاهيم المغلوطة كالتهيب من الاجتهاد ولو في مستوياته الدنيا، مما يسوغ الجمود الفكري والوقوف عند حدود التقليد والتبعية.

kitab10

وهذه الأسباب التي ذكرها المؤلف غاية في الأهمية لمن تدبرها.

ثم ينتقل إلى “ماهية الفكر”، ليذكر بعض التعاريف ويخلص في النهاية إلى أن هناك خصائص للفكر تجعله يشتغل في القيام بمهام وظيفية كثيرة تتخذ أشكالا ومسميات مختلفة مثل: العلم والتعلم، العقل والتعقل، الاعتقاد، التأمل، التفكر، التدبر، التصور، الاتعاظ، الاعتبار، الوعي، التيقظ.

أما التمهيد الثالث عند المؤلف فهو: عبادة التفكير.

ولعل هذه النقطة هي ثمرة هذه الممهدات باعتبارها ثمرة الفكر، ولا قيمة لفكر عند المسلمين إذا كان مجردا عن العبادة، (والفكر هو أشرف الأعمال القلبية بعد النية، فإذا صح واستقام صحت به جميع الأعمال، وتركزت واتجه بها نحو التمام والكمال، بحمل النفس على لزوم الإخلاص وموافقة الطريقة الشرعية، ومحاسبة النفس في كل مراحل الفعل وعند نهايته).

وما دامت العبادة هي المقصد الأساس عند المسلم من كل عمل يقوم به للتقرب من الله، فلا شك أن الفكر والتفكر هما أقرب الطرق إلى معرفة الله، (فإذا كان مقصد العباد إدامة مراقبة الله في القلب وخشيته في السر والعلن، وابتغاء مرضاته والحذر من سخطه، فإن التفكير الهادف يوصل إلى ذلك في أقصر وقت وبأقل جهد انطلاقا من التأمل المركز في ظاهرة كونية أو اجتماعية.. لأن التفكير في المخلوقات يوقف النفس على عظمة الخالق وحكمته البالغة، مما لا يدع أمام الفكر مجالا للإنكار والجحود والغفلة).

الفصل الأول: علاقة النفس بالقلب والعقل.

هذا الفصل تناوله المؤلف حفظه الله في عنصرين اثنين:

العنصر الأول: القلب مركز النفس

وتطرق فيه إلى جانبين اثنين هما: الأدلة على أن القلب مركز النفس و”الفطرة” و”العلم” وظائف قلبية.

في الجانب الأول يقر المؤلف بأن (إطلاق لفظة القلب – الذي هو اسم لعضو معلوم في الجسم البشري – على النفس أو بعضها، ينسجم تماما مع طبيعة العلاقة التي بين النفس والجسم، وشدة الارتباط بين القلب العضو العضلي ومركز النفس في الجسد)، ويستدل على هذه العلاقة بالحديث الصحيح المشهور: (… ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب).

ثم ينتقل المؤلف إلى الأدلة على أن القلب مركز النفس، وينقل منها ما يفيد مركزية القلب في النفس ليخلص بعدها إلى القول: (القلب هو مركز النفس المتحكم فيها وفي الجسم من خلالها، وهو المدبر لشؤون الذات كلها… فبوحدته تتحقق وحدة الإنسان، كما أن كل أموره متوقفة على صحتة قلبه وسلامته واهتدائه وصلاحه).

أما الجانب الثاني في هذا العنصر، فقد جعله المؤلف تحت عنوان: “الفطرة والعلم وظائف قلبية”. وفي هذا الجانب يذكر المؤلف وظائف القلب، وأهمها في نظره:

توجيه السلوك لموافقة الفطرة، فيعتبر أن (الفطرة هي التي تخلق عليها الروح وتظل ملازمة لها مدى الحياة… وهي التي تطبع السلوك البشري بطابعه الخاص المتميز عن الحيوان بميزات الحرية والمسؤولية والعقل والإيمان بالله، والتجمل المادي والمعنوي والحرص على الفضيلة والجنوح عن الرذيلة والنفور منها والإعراض عنها، والتوبة إلى الله والخوف من عذابه.

تحصيل العلم، وهذه الوظيفة الثانية للقلب في نظر المؤلف، فقد لاحظ (أن آيات أسندت وظيفة العلم إجمالا إلى القلب وأخرى فصلت هذه الوظيفة بذكر العمليات النفسية التي يكون بها تحصيل العلم مثل التذكر و الفقه والتدبر والعقل).

وعموما، فالقلب مصدر لثلاثة أنواع من المعرفة حسب المؤلف:

– المعرفة الفطرية أو العلم الضروري.

– المعرفة المكتسبة عن طريق إعمال الفكر والحواس.

– المعرفة الخاصة التي يهبها الله تعالى لبعض عباده.

العنصر الثاني: جعله المؤلف تحت عنوان: “العقل جوهر أم غريزة؟

فينقل مجموعة تعاريف تجعل العقل جوهرا، ويعتبرها دخيلة على الفكر الإسلامي من الفلسفة اليونانية، لينقل بعدها تعاريف أخرى تؤكد على أن العقل غريزة وضعها الله سبحانه في أكثر خلقه، ثم يقدم الأدلة على ذلك، مثل قوله تعالى: “أفلم يسيروا في الارض فتكون لهم قلوب يعقلون بها”.

(والقرآن عندما يدعو الإنسان إلى التأمل في آيات الله ويضرب له الأمثال، فإنما يخاطب منه القلب).

ومن أفعال القلب العقلية، يذكر المؤلف ما يلي:

– فعل الكف: (فمن وظائف القلب أن يمنع النفس من اتباع الشهوات اعتبارا لما يؤدي إليه الجري وراءها من تعاسة دنيوية وشقاء أخروي، وهو عندما يستحضر هذه النتائج ويدفع إلى الكف عن أسبابها يقوم بوظيفة من وظائفه البارزة وهي العقل أو التعقل).

– فعل الضبط: والمقصود به (إمساك المعلومات واستذكارها عند الحاجة، وهو ما يعرف بالذاكرة، ولقد ثار خلاف قديم حديث حول مكان الذاكرة في الذات الإنسانية، هل هو القلب أم الدماغ، فالقرآن الكريم أشار إلى وجودها في الصدر كناية عن القلب: “أفلا يعلم إذا بعثر ما في القبور وحصل ما في الصدور إن ربهم بهم يومئذ لخبير).

– فعل الربط: بين بأن مفهوم الربط العقلي يقوم على ثلاثة قوانين أساسية: الاقتران، التشابه، والتضاد، والقلب يقوم (بعمليات الربط العقلية ما لم يمنعه الهوى أو تعطله الغفلة).

– فعل الفكر: (فعل الفكر هو استعمال القلب لمختلف العمليات العقلية) (وإذا كان شرط كمال العبادة انشغال القلب بالله خلالها، فإن التفكير في آياته وما يؤدي إليه من تذكير مستمر يعد من أفضل العبادات).

الفصل الثاني: تبادل التأثير بين النفس والكون.

وفي هذا الفصل يتناول المؤلف حفظه الله ثلاث قضايا أساسية هي:

– التفاعل بين النفس والكون.

– سنة التقلب في النفس والكون.

– مسوؤلية الإنسان وتقلبات القلب.

ففي القضية الأولى يؤكد المؤلف (وجود ترابط بين ما يقع في الكون من تقلبات وانعكاساتها على النفس) (وقد عمل القرآن الكريم على توجيه النفس للاستفادة من النظر في آيات الآفاق لإدراك حقائق الإيمان التي هي مدار مسؤوليته في هذه الحياة، فما يدعو إلى التفكر فيها إلا بقصد التنبيه على الغاية الأولى من خلقها، وهي أنها دليل على كمال الله وجلاله وجماله، ودليل على مخلوقية الإنسان لله، وتوقف فلاحه وصلاحه وسعادته على معرفته وعبادته وتقوية العلاقة به سبحانه).

وهذا التفاعل يستمر مع الكون في جميع آيات الآفاق دون استثناء، والنصوص القرآنية في ذلك صريحة واضحة وكثيرة نقل المؤلف بعضها، حيث تأتي المبادرة أحيانا من أجزاء الكون لا من الإنسان، فيكون ذلك الجزء من الكون هو المبتدئ بالتأثر كالجبال مع داوود، وبكاء السماء والأرض على اختفاء شعوب وقبائل مؤمنة دون شعوب أخرى، وقصة الجذع الذي حن لرسول الله صلى الله عليه وسلم فسمع له أنين، وغيرها من الصور التي تفيد بتبادل التأثير والتأثر بين الكون والنفس البشرية.

وفي القضية الثانية وهي: سنة التقلب في النفس والكون، يؤكد المؤلف على الحقيقة البادية للعيان، وهي تقلب أحوال الحياة وما يطرأ في هذا الكون من تحولات مطردة صباح مساء، وما يوازيه من تغير مستمر في جسم الإنسان وروحه.

ففي الكون هناك (تعاقب الليل والنهار، والضياء والظلام، والشروق والغروب، والمد والجزر، وتعاقب الفصول، وتقلبات الطقس والحرارة والبرودة، ونشوء الرياح والزوابع والأمطار والإعصار…).

وفي جسم الإنسان يبدأ بالنطفة في الرحم، ثم يستمر في التحول والتطور عبر المراحل المعروفة، ثم الطفولة بكل تبدلاتها، ثم الشيخوخة بوهنها وانتكاساتها.

وفي الروح هناك تنوع الأحاسيس وتدفق المشاعر وانتقالها من النقيض إلى نقيضه، بين الهداية والضلال، والأمل واليأس، والفرح والحزن، والحب والبغض، والرضا والسخط، والسعادة والشقاء.

وهكذا يقرر المؤلف سنة التقلب في النفس والكون ليصل في النهاية إلى نتيجة، وهي: (أن مقصود جميع التقلبات المادية سواء ما يحصل منها في جسم الإنسان أو في بيئته الكونية، هو أنها ترمي إلى حفز هذه التقلبات القلبية وتوفير الظروف المواتية لها، حيث تترجم إلى أفعال ومواقف مدونة في صحائف الأعمال المفتوحة لاستقبال ما يجد منها على امتداد العمر).

وفي النقطة الثالثة: مسؤولية الإنسان وتقلبات القلب.

في بداية هذه القضية يؤكد المؤلف على حقيقة مرتبطة بالقلب، وهي “أن تقلبه من أبرز خصائصه”، ولذلك أصبح (أكبر عبء يواجهه البشر على مدى وجوده في الحياة الدنيا هو ملازمة الهداية بعد معرفتها وتذوقها، بل وتجريب فوائدها ومنافعها لزمن مديد، بحيث يظل خيار التراجع عنها والانتكاس إلى أدنى درجاتها، أو إدخال ما ليس منها فيها، وربما الارتداد كلية إلى الضلال المبين، قائما مع قيام الهداية في القلب، بحيث لا تملك أبدا قطع دابر التقهقر إلى الوراء والاستئصال النهائي لإمكانيات الانكفاء إلى الخلف).

ثم يستدل المؤلف على تقلبات القلب بآية صريحة في الباب من سورة النساء، وهي قوله تعالى: “إن الذين آمنوا ثم كفروا ثم آمنوا ثم كفروا ثم ازدادوا كفرا لم يكن الله ليغفر لهم ولا ليهديهم سبيلا”.

ويفرق المؤلف بين القلوب المولعة أصلا بالتقلب حين تتواطأ مع التأثيرات الخارجية فيسرع إليها الانقلاب، وذلك ما يشير إليه قوله تعالى: “ومن الناس من يعبد الله على حرف فإن اصابه خير اطمأن به وإن اصابته فتنة انقلب على وجهه خسر الدنيا والاخرة ذلك هو الخسران المبين”.

وبين القلوب السوية الراسخة في الاستقامة، حيث تظل ثابتة في وجه الفتن، وذلك ما يشير إليه قوله تعالى في سورة آل عمران: “الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل”.

وهذه التقلبات في القلوب تؤكدها أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم في أكثر من مناسبة، لذلك كان الرسول صلى الله عليه وسلم يكرر الدعاء بطلب ثباتها وصرفها إلى الطاعات وزحزحتها عن المعاصي، وكان طلب الهداية يتكرر في الصلاة سبع عشرة مرة يوميا بين يدي الله في الصلاة المفروضة.

(فالقلب دائم الحركة والتحول إذا لم تستغل تحولاته بين مراتب الطاعة والفضيلة والمباحات لإبقائه على الصلاح والاستقامة، عصفت به نحو المعصية والرذيلة والمنكرات بشتى أنواعها).

الفصل الثالث: الإيمان مسؤولية الفكر.

وهذا الفصل تناوله المؤلف في أربعة عناصر:

العنصر الأول: الإيمان اختيار فكري

وذلك لأن (تثبيت الإيمان في القلب ليس مهمة محدودة في الزمان يفرغ منها ثم ينتقل إلى الانشغال بغيرها، وإنما يتطلب الإيمان التعهد والتقوية المستمرين ما بقي المرء على قيد الحياة، وهذا وجه من الصعوبة لا يخفى. فكم من واحد قضى الجزء الأكبر من عمره على نهج الإيمان ثم ارتد عنه في آخر حياته).

ويبقى التحكم في تقلبات القلب سبيلا للحذر من هذه الردة بواسطة التفكر والذكر والاعتبار (إن تقلب القلب يحصل من دون استئذان، فيحتاج إلى ما يعيده إلى دائرة الإيمان كلما فتر أو تدنى، من ذكر وتفكر واعتبار، وتجديد النظر في الأدلة والبراهين، ومدى حجيتها وتحقيقها للإيمان الصادق، واستشعار برد اليقين في القلب).

وليس هناك أفضل من التفكر في آيات الله المنشورة، الذي (قد يفضي – في أحسن الأحوال – إلى الإقرار بوجود خالق الكون… وقد يلازمه تردد وريب في الأمر… وقد يقال بعبثية الحياة وافتقادها لأي مغزى، وقد وقد – فالفكر في مجال الإيمان يتوزع بين الناس طرائق قددا ومذاهب عددا).

فالإيمان إذن اختبار فكري بكل المقاييس، ففي البداية قد يكون إيمانا مهزوزا فيحتاج إلى ترسيخ، وفي النهاية (كلما بلغ الإنسان درجة أعلى من الإيمان واجه معها الابتلاءات. فيرتقي درجة أسمى حين يثبت، أو ينتكس إلى الخلف ويتراجع) “أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتتنون، ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين”.

العنصر الثاني: الإيمان بالله أعظم مسؤوليات الفكر.

في البداية يؤكد المؤلف على حقيقة عظمى هي أن (الإنسان أراد له الخالق سبحانه أن يكون وبصفة استثنائية بين جميع المخلوقات ومعه الجن، حرا ومسؤولا في أمر جليل لا أجل منه على الإطلاق، إنه أمر الله تعالى، بحيث تركت لفكره مهمة البحث في شأنه، فيؤمن به أو يكفر، ويعترف بوجوده أو يجحده، ويقر له بالوحدانية أو يشرك معه غيره).

وهذا على خلاف باقي المصنوعات التي لا يتصور أن تخرج عن مراد صانعها، وتتمرد على غرضه من صناعتها، فـ (الإنسان عندما يركب آلة وتتوقف عن الاشتغال وفق ما صممها لأجله، يبلغ به الغضب إزاءها أن يتلفها ويحطمها، وأن يذبح الحيوان الناشز ويؤذبه بالعصا حتى يذعن ويخضع، ويكون له نفس الموقف مع من يعصي أمره من بني آدم الذين هم تحت إمرته، فنجده يتفنن في تعذيب الخارجين عن الطاعة بما يبلغه خياله في هذا المجال).

والله عز وجل يمهل الإنسان ويهديه النجدين اختيارا (وكل ذلك يحصل بعلم الله وإرادته وحكمته، وما كان لأحد من خلقه منفردا أو متعاونا مع جميع الخلائق أن يجرؤ على معصية الله تعالى لولا أن مشيئة الله حكمت بذلك وسمحت به، وكثيرا ما ينسى الناس أو يتناسون هذه الحقيقة في غياب الفهم العميق لأبعاد المسؤولية الإنسانية، فيظنون أن عصيان الغاوين يقع ضدا على إرادة الله، والصواب أن الله تعالى طالب الإنسان بالطاعة وهيأ أسبابها كما سمح بالمعصية ويسر دوافعها).

(إن مسؤولية الإنسان عن الإيمان بالله تعني أول ما تعني كون الإيمان مهمة ليست سهلة، سيما إذا أعطيت للعقل صلاحية الحسم في كل إشكال، والخوض في كل مجال غيبا كان أو شهادة، وحينئذ يصير إخفاق العقل غالبا في هذا الأمر وإقرار أحكام خاطئة هو ما لا مناص منه).

ثم يخلص المؤلف إلى أن (الإيمان بالله تعالى أس كل امتحان يبتلى به الفكر الإنساني، فإذا اجتازه بسلام فما بعده أهون وأيسر لمن صدقت عزيمته وطهرت طويته).

العنصر الثالث: موقف الفكر في المسؤولية الإنسانية

في بداية هذا العنصر يذكر المؤلف (أن الكائن البشري كما تميز بالفكر في عالم المخلوقات، تميز أيضا بالمسؤولية عن تصوراته وأفعاله من دون غيره، وقد عبر الفقهاء عن هذه الحقيقة فقرروا أن “العقل مناط التكليف”، ولذلك صح في الحديث قول الرسول صلى الله عليه وسلم: (رفع القلم عن ثلاثة: عن النائم حتى يستيقظ، وعن الغلام حتي يحتلم، وعن المجنون حتى يفيق)، وذلك لأن العقل الذي هو مناط التكليف ينتفي في هذه الحالات فتنتفي المسؤولية تبعا له.

ولقد ارتبط مجال الفكر بمجال المسؤولية الإنسانية، فنستطيع القول بأنه حيثما يوجد فكر توجد مسؤولية، وكل اشتغال للفكر يترتب عليه تكليف معين).

(وقد كان علماؤنا الأجلاء يكرهون التفكير فيما لا يندرج تحته عمل، فهذا الإمام مالك يقول: “ولا أحب الكلام إلا فيما تحته عمل”).

وما أعظم وأجمل هذا الكلام الذي نقله المؤلف حفظه الله، إذ يعبر عن ترك ما لا فائدة مرجوة منه، والحذر من استدراج ما يمكن أن يتطور من خاطرة نحو انزلاق فكري لا تحمد عقباه، لذلك يحذر المؤلف من (كل تفكير ينفلت من دائرة المسؤولية التي عليها مدار السعادة في الدنيا والآخرة يلقي بالنفس في أتون العبثية والضياع والخسران المبين).

العنصر الرابع: الفكر وتوجهات النفس.

في هذا العنصر ينبه المؤلف بداية إلى علاقة الفكر بالوعي مما يحتم (استدامة اليقظة والحذر والنباهة بما يجعل تصرف المرء سلوكا صحيحا لا يترتب عنه خلل أو قلاقل له شخصيا ولغيره تبعا)، لأنه في حال انعدام الوعي وغياب اليقظة يضطرب الفكر فتنعدم الثقة فيمن حصل له ذلك، فيكون كما يقول المؤلف: (من مصلحته ومصلحة المجتمع أن يوضع تحت الحراسة المشددة وأن ينبه من يحيطون به إلى حاله، وأن يلتمس له العلاج الممكن على عجل، فهو غير مسؤول عما يصدر عنه من أفعال ومواقف إذا انتابته حالة فقدان الوعي).

لكن المؤلف يستثني من يخطط لأعمال إجرامية وسلوكات مشينة باستعمال طاقاته الفكرية عن وعي، فهذا مسؤول عن أفعاله، وهنا نكون أمام معادلة: فكر مسؤول وآخر غير مسؤول، فما دام الإنسان في كامل وعيه فهو مسؤول عن فكره، وإذا غاب وعيه انتفت المسؤولية.

وهنا يأتي دور النفس في التفاعل مع الخواطر المنحرفة التي تهجم عليها، هل تترجمها إلى أفعال أم تطردها، وتبقى البوصلة هي حديث الرسول صلى الله عليه وسلم: (إن الله تجاوز عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه)، وحديث: (إن الله تجاوز لأمتي ما حدثت به أنفسها مالم يتكلموا أو يعملوا به). وإذا كان الإنسان ينساق في عمومه وراء انحرافات دون أن ينتبه، أو مع سبق إصرار، فذلك إنما يكون بسبب اعتقادات سيق إليها منذ الصبا على سبيل التقليد، كما ينقل المؤلف عن الإمام الغزالي، فيقول: (لأنهم محجوبون باعتقادات تقليدية جمدت في نفوسهم ورسخت في قلوبهم وصارت حجبا بينهم بين درك الحقائق).

Show Buttons
Share On Facebook
Share On Twitter
Share On Google Plus
Contact us
Hide Buttons